14 - 05 - 2026

بعد تتويجه بجائزة الدولة التشجيعية | علي قطب: «الواقع الروائي اليوم يدعو إلى التشاؤم»

بعد تتويجه بجائزة الدولة التشجيعية | علي قطب: «الواقع الروائي اليوم يدعو إلى التشاؤم»

- الصخب حول محدودي الموهبة يفسد المشهد الأدبي
- فضلت الانتظار حتى أمتلك الحياد قبل الكتابة عن  25 يناير  في البند السادس من قانون التضحية
- السوشيال ميديا أفرزت كتابة فارقة ومبدعة وأخرى هشة لا تنتمي لأي فن
- لا توجد أزمة نقد حقيقية في مصر وإنما أزمة في إطلاق الأحكام الجاهزة
- أحلم دائمًا بالوصول إلى فكرة أصلية وسط طوفان من مشروعات الكتابة المكررة
- كل كتبي تمثل عملًا واحدًا طويلًا يعكس رؤيتي للعالم وتطوري الإبداعي
- قراءة نجيب محفوظ تمنحني زادًا لا ينفد من الجمال والدهشة والمعرفة
- جائزة الدولة التشجيعية شرف كبير وخطوة داعمة للاستمرار في مشروعي الأدبي

يطرح الروائي المصري علي قطب رؤيته بقدر من الصراحة لا يخلو من القلق. قلق يعتبره وقودًا للكتابة ومحركًا للبحث عن معنى في عالم يزداد اضطرابًا وتعقيدًا. من خلفية أكاديمية في الهندسة إلى مشروع سردي يتشكل عبر سنوات من التجريب والتأمل، يواصل قطب رحلته بين الرواية والقصة والنقد، محاولًا أن يلتقط نبض زمنه دون أن يفقد مسافة الرؤية.

في هذا الحوار، يتحدث علي قطب عن ملامح المشهد الروائي اليوم، بين إبداع حقيقي وصخب يعلو أحيانًا على حساب القيمة، وعن تأثير السوشيال ميديا على الكتابة، وحدود العلاقة بين الكاتب والقارئ، كما يكشف عن هواجسه الإبداعية وسعيه الدائم نحو فكرة أصيلة وسط التكرار. يتوقف أيضًا عند تجربته مع أعمال نجيب محفوظ، التي شكلت أحد منابع تكوينه، ويتأمل في معنى الجوائز بعد فوزه بجائزة الدولة التشجيعية، باعتبارها لحظة اعتراف ودافعًا للاستمرار.


علي قطب .. الفائز بجائزة الدولة التشجيعية

* أنت مهندس في الأساس… كيف تسللت الرواية إلى حياتك؟ وهل جاءت كهروب أم كضرورة؟

- نعم، تخرجت في كلية الهندسة وحصلت على درجة الماجستير في هندسة الري؛ لكن علاقتي بالكتابة عموما بدأت قبل ذلك بكثير، فقد كنت شغوفًا بالقراءة منذ طفولتي، ثم بدأت محاولات كتابة في كراستي القديمة، تطورت بعد ذلك من خلال النشر بالمراسلة في مجلتي علاء الدين وقطر الندى، ثم جاءت أول تجربة روائية لي ممثلة في رواية "الانتظار" التي صدرت عام 2008م، ونشرت عقب فوزها بجائزة الصالون العربي، حيث كانت الجائزة نشر الرواية الفائزة. أنا أكتب بشكل احترافي منذ ما يقرب من خمسة عشر عامًا، نشرت روايتي الثانية "مي كانو" في دار نشر شرقيات سنة 2010م، ثم روايتي الثالثة أنثى موازية سنة 2016م، التي فازت بجائزة "ساويرس"، في عام 2020 نشرت روايتي الرابعة " كل ما أعرف"، ثم نشرت مجموعتي القصصية "ملخص ما سبق" التي فازت بجائزة المجلس الأعلى للثقافة دورة خيري شلبي. منذ أيام قليلة صدرت روايتي الخامسة "البند السادس من قانون التضحية". لم تكن الكتابة هروبًا، بل كانت فعل حياة؛ لأن الكتابة بالنسبة لي هي مجاز الحياة، هي ضرورة للاستمرار.

* شخصياتك غالبًا تعيش حالة قلق أو اغتراب… هل هذا انعكاس لجيل كامل؟

- تمثل الأعمال الأدبية أحد الروافد المهمة التي تعكس الواقع، فعندما تعيش في زمن حرب خلاف ما تعيش في زمن هادئ، يسوده سلام ورخاء. الآن نحن في عالم مفتوح، فأنت تري وتعايش ما يحدث في كل مكان من كوارث طبيعية وأخرى من صنع البشر. كيف لا تكون قلقًا ومغتربًا، أصبح كل واحد متوحدًا مع حائطه الأزرق يسطر عليه ما يشاء، منطقيًا أو شططًا خارج العقل. الكاتب يرى كل هذا، يتفاعل معه عاكسًا ذلك في شخصياته التي تنبض بهذه الحياة المزدحمة المضطربة المتباينة. الكاتب لم يعد بعيدًا عن ذلك، لم يعد عائشًا في عالم مخملي متحدثًا عن شخصيات من خياله. إن عالمنا الآن ينعكس في الأعمال الأدبية فنجد روايات الجريمة والرعب والديستوبيا. 

* كيف ترى واقع الكاتبة الجادة في ظل عصر السوشيال الميديا؟

- في عصر تتنوع الأوعية الكتابية وفق ما يوفره من مقومات لهذه الأوعية، ما أراه الآن أن عصر السوشيال ميديا قد منح فرصا كبيرة لكل شخص أن يكتب ما يريد. هذا الأمر أفرز أمرين: كتابات فارقة تفاعلية، وأخرى هشة لا تنتمي لأي فن. لكن الكتابة الجادة تبقى راسخة؛ لأنها تحمل مقومات قوتها وتفردها. 

* كيف ترى حال الرواية المصرية اليوم؟

- الواقع الروائي اليوم يدعو إلى التشاؤم، خصوصا مع الصخب الدائم الصادر من الاحتفاء بمحدودي الموهبة لأسباب مختلفة، لكن بشكل عام لا أفضل الاستغراق في رؤية الصورة من هذا المنظور، وأحاول متابعة كتابي المفضلين من جيلي أو الأجيال الأكبر. 


عدد من مؤلفات علي قطب

* هل هناك أزمة حقيقية في النقد الأدبي؟

- نعم، هي الإجابة السريعة عن هذا السؤال، لكنني أرى غير ذلك فليس هناك أزمة في النقد الأدبي، ففي مصر نقاد لهم إنتاجهم الفكري وحضورهم في الحياة الثقافية المصرية والعربية. تأتي المشكلة من إطلاق الأحكام الجاهزة دون النظر بعمق في واقع الإنتاج الأدبي والنقدي الذي تزخر به المكتبات. إن اختزال المشهد النقدي في بعض المواقف أراه غير منصف لما يُقدم من جهد في التأليف أو المشاركات النقدية في المنتديات والندوات والمدونات عبر التطبيقات الرقمية. 

* أنت وتكتب هل تفكر في القارئ وهل تروادك مخاوف ألا يفهم ما تقوله؟

- لا بد أن أفكر في القارئ؛ لأنه أحد أضلاع مثلث الاتصال، فإذا كان المبدع هو المرسل، فإن القارئ هو المتلقي، قد تختلف مستويات التلقي، وأجدها تختلف من شخص إلى آخر، لكن من الضروري وجود حدود مشتركة بين الكاتب والقراء، هذه الحدود تختلف من قارئ إلى آخر حسب السن والخبرة وعوامل أخرى تؤثر في عملية التلقي. لكن من الضروري أن يضع الكاتب في حسبانه كل من سيطالع العمل. فهناك مضامين واضحة وأخرى تحتاج إلى خبرات في القراءة  والتأويل.

* ما أكثر فكرة تؤرقك ككاتب؟

- كيف يمكن أن أظلا متجددا طوال الوقت، كيف يمكن الوصول إلى فكرة أصلية ومعالجة مبتكرة وسط مئات من مشروعات الكتابة المكررة المحيطة بنا. 

* كيف ترى مشروعك الروائي بعد سنوات؟

- لا يمكنني الحكم على مشروعي الروائي في أي لحظة، لأنني سأظل غير راضي لسعي الدائم للوصول للأفضل، لذا أفضل ترك الحكم للقارئ، وأسعد كثيرا حينما أجد قارئًا أصبحت تربطني بهم علاقة ممتدة، فيحدثوني ويخبروني بانتظارهم عمل جديد لي. 

* تربطك علاقة خاصة بنجيب محفوظ، حدثنا عن ذلك.

- إن الرحلة الغنية التي عشتها مصاحبًا أعمال الأستاذ نجيب محفوظ كانت هي المتعة الحقيقية التي مررت بها في هذه القراءة، تمامًا كما كانت متعة بطل نجيب محفوظ الذي يبحث عن شخصية إخناتونفي رواية "العائش في الحقيقة". إن ما كتبه نجيب محفوظ في أعماله يمنحنا زادًا من جمال الروح والعقل والسرد المشحون بموسيقا الحياة. إن عوالم محفوظ المشحونة بجيولوجيا الحياة، هذه الطبقات المتراكمة من التاريخ والجغرافيا والفن تمنحك آفاقًا رحبة للتأمل والتفكير في رحلات أبطاله الذين يطلون علينا عبر السطور فنراهم ونحس بآمالهم و آلامهم. أن تقرأ عملًا للأستاذ نجيب محفوظ  ستلازمك متعة ضافية، تزداد وتتنوع بصحبتك لشخصياته في الأزقة والحارات والشوارع العتيقة والميادين الفسيحة، ستصحبك الجغرافيا ويظللك التاريخ مانحًا إياك رصيد الذهب من الكلمات والجمل والأساليب والأفكار والمشاهد البديعة التي تتدفق أمامك على سطور أعماله الروائية والقصصية، ستسمع في الخلفية دومًا الأصوات الصادحة في فضاء التكية، ستستمتع بالأغنيات التي تعد معادلًا للمواقف الدرامية، كاشفة عما يجول في صدور أبطاله ووجدانهم من مشاعر، يختلط فيه الأمل مع اليأس، التحقق مع الإحباط. إن أديب نوبل يحمل في أعماقه الروح الجمعية المصرية، فأعماله هي طبقات ثرية للنفس والمدينة. 

 * كان محفوظ بوابتك للحصول على جائزة الدولة التشجيعية؟

- سيظل الأستاذ نجيب محفوظ بالنسبة لي الرمز المتفرد الذي يمنحني عبر قراءته زادًا لا ينفد من الجمال، لمست ذلك بقوة أثناء دراستي لأعماله في كتابي "الغناء والطرب في أدب نجيب محفوظ" الذي نال جائزة الدولة التشجيعية في النقد.  هذا الحلم الذي طالما راودني، حلم الفوز بجائزة الدولة التشجيعية، إنه شرف عظيم أن أُكرم من وطني، هي خطوة داعمة ومشجعة لي على الاستمرار في حلمي. 

* حصلت على العديد من الجوائز الأدبية المهمة فكيف تنظر إلى واقع الجوائز في مصر والوطن العربي؟

 - إنها لحظة مهمة لكل كاتب؛ لأن الجوائز تمنح للكاتب الحضور في دائرة الضوء، فتُقرأ أعماله على نطاق أوسع، مانحة له ثقة الاستمرار في مشروعه.

إن من أهداف الجوائز هو اكتشاف أصوات جديدة جديرة بالاهتمام والدعم، أو تكريم منجز أصيل قدم للثقافة العربية والإنسانية عطاءً جديرًا بالتكريم. هذا ما أرى أن تضعه المؤسسات القائمة على الجوائز؛ كي يتواصل الإبداع ويستمر.    


عدد من مؤلفات علي قطب

* في أحدث أعمالك الروائية البند السادس من قانون التضحية جنحت إلى التجريب فما سر ذلك؟

أحاول التجريب باستمرار لكن بدرجات متفاوتة، بشكل عام أن أنحاز دائما للمقروئية مع تجريب لا يعيق سلاسة القراءة، لكن ما حدث مع البند السادس أنها بدأت ككابوس يؤرقني، وقد ظلت الفكرة تلح علي لسنوات، لكني كنت أفضل الانتظار لكي أتمكن من الوقوف بحيادية أمام ما حدث أثناء ثورة 2011.

* لماذا يتكرر حضور “الإنسان القَلِق” في نصوصك؟

- هذا سؤال كما يقولون: لا محل له من الإعراب، القلق ملازم للإنسان من البداية، القلق هو الصفة الملازمة للإنسان أيًا كان سنه أو مستواه الاجتماعي، لكل منا قلقه الخاص، قلق يخص الدراسة، الحياة الاجتماعية، الصحة، وغير ذلك من مناحي الحياة الأخرى. القلق عرض صحي من أجل التطور، لكن عندما يصبح قلقًا مرضيًا الأمر يختلف. الأبطال عند رواياتي قلقون، لأنهم يتأملون ويبحثون عن آفاق تمنحنهم المعرفة والفهم.    

* هل هناك فكرة تخفيها داخل نصوصك ولا تصرّح بها أبدًا؟ 

- تُبْنى النصوص على الأفكار التي تمثل المضمون الذي يحتوي على ما تراه من وجهات نظر تحمل في أعماقها الروح الجمعية المصرية والإنسانية، فالعمل الأدبي سواء كان رواية أم قصة قصيرة هو طبقات ثرية للنفس والمدينة. وعلى القارئ أن يكتشف ذلك أثناء القراءة. 

* لو طُلب منك اختيار عمل واحد يمثل مشروعك حتى الآن… ماذا تختار؟ ولماذا؟ 

- سؤال صعب، أعتقد أنني كتبي كلها عمل واحد طويل، حتى أنني لا يمكنني الفصل بين الأعمال الإبداعية أو النقدية، كلها في إطار مشروع يمثل أفكاري ورؤيتي للعالم.

* حدثنا عن المشروع الذي تعمل عليه الآن أو العمل الذي تود أن تكبته؟

- أعمل حاليا على مشروع ضمن سلسلة محاكمات التي تنشرها بيت الحكمة للثقافة، وتهتم بنشر رؤى تحليلية حول محاكمات الكتاب بسبب آرائهم وكتابتهم.
-------------------------------------------
حاوره: عبدالكريم الحجراوي
- من المشهد الأسبوعية

علي قطب: «الواقع الروائي اليوم يدعو إلى التشاؤم»